هشام الحاجي في مناقشة بيان الحكومة

 

 

 لا يمكن للإنسان إلا أن يسجل ايجابية ما تضمنه بيان الحكومة من معطيات وما أبرزه من عزم راسخ وواضح على رفع التحديات من خلال تحديد الرهانات والأوليات التي ستعتمد لكسبها، وهذه ميزة لا نعتبرها عارضة وذلك بالنظر إلى ما يتحلى به السيد محمد الغنوشي من جدية ووطنية وإلى ما أكده رئيس الدولة في خطابه الأخير من تطلع للمستقبل بعقلية قوامها الاستعداد لمواجهة التحولات المتسارعة التي تعيشها الانسانية.
ولا شك أن هذه العقلية تجد تأكيدها وتجسيدها في ما يتحقق من مكاسب وما يبرز حين نقيم المقارنة مع الدول الأخرى من تطور في القدرة على المنافسة وعلى أحكام التصرف في المال العام ومن قدرة على محاربة الفقر وعلى الحد من انتشاره وفي مجالات أخرى يضيق المجال لذكرها ونفخر بها.

إن هذه المؤشرات تمثل أرضية لنموذج مجتمعي يتطلع نحو المستقبل مع ما يعنيه هذا التطلع من اطمئنان للحاضر ومنجزه ومن رفض للتصورات الماضوية التي تعيق التفاعل الايجابي مع الحداثة. وأود من هذا المنطلق ابداء بعض الملاحظات التي تلامس جوانب متعددة من مسيرة التنمية بما يمكن أن يسرّع وتيرتها ذلك أن المشاركة السياسية تمثل مدخلا أساسيا للتنمية الشاملة والمتكاملة، وبقدر ما نثمن في هذا السياق ما أمكن تحقيقه في العقدين الأخيرين في هذا المجال من مكاسب كان آخرها حصول حزب يهتم بالبيئة بالدرجة الأولى على التأشيرة القانونية خلال هذا العام فإننا نعتقد أن في توسيع مجال المشاركة السياسية بتمكين الأحزاب المؤمنة بالقيم المدنية وبالمثل الجمهورية من التواجد القانوني مزيدا من تفعيل الطاقات وسحبا للبساط من تحت أقدام المدّعين والمشككين ودفعا للجميع للانخراط في مشروع الديمقراطية التوافقية التي تحتكم إلى المؤسسات والقوانين الوطنية وتقطع كل السبل أمام التدخل الأجنبي المدان والمرفوض في الشأن الوطني. والمشاركة السياسية بمعناها الشامل تمرّ في عالمنا المعاصر عبر النسيج الجمعياتي. وقد ازداد النسيج في بلادنا متانة وامتدادا وهذا ما يستدعي مزيد الانفتاح على الطاقات الراغبة في بعث جمعيات تدعم انخراط المثقفين والجامعيين في جوانب متعددة من الحياة العامة. والحديث عن توسيع المجالات السياسية وتوفير الأرضية المثلى للأعداد للمواعيد القادمة يدعو إلى اثراء الحوار الوطني حول مزيد تعهد القوانين المنظمة للحياة السياسية بالمراجعة والتنقيح حتى يتكرس حياد الادارة حيال كل الأحزاب السياسية وتتأكد شروط المنافسة المتكافئة والعادلة بينها.
ولا شك أن الحديث عن الحياة العامة يمر عبر الحديث عن الاعلام الذي شهد في السنة الفارطة حركية واضحة نأمل أن تتعمق من خلال تبسط اجراءات اصدار الصحف وبتكريس التعددية في ما يتعلق بوضع الخطوط العريضة للقنوات الاذاعية والتلفزية الوطنية.

تبقى التحديات الاقتصادية هامة وفاعلة وهو ما يستدعي مضاعفة الجهد الذي يبذل حتى يتم الحد من البطالة خاصة لدى الاطارات.
وفي هذا السياق فإننا ننظر لتأكيد بلادنا على حماية الحق النقابي بوصفه مكسبا يوفر الأرضية لسلامة المناخ الاجتماعي ولحوار متواصل يقي الأطراف الاجتماعية من الانزلاق في هذا الاتجاه أو ذاك فتقع حماية حقوق العمال وتتوفر للمؤسسة ظروف الاستقرار وشروط الاستمرار. والحديث عن المؤسسة وبالتالي عن الاستثمار يدفعنا إلى التأكيد على ضرورة تأهيل مهن الخدمات والمهن الفكرية وإلى توفير أرضية ديمومة المؤسسات مادامت الاحصائيات تشير إلى أن نسبة هامة من المؤسسات التي يقع بعثها لا تعمّر طويلا رغم ما يتوفر من حوافز وتشجيعات.
وإلى جانب هذه المسائل فإننا ندرك أهمية أن يكون النموذج التنموي التونسي قائما على قاعدة التوازن بين الفئات والجهات. وقد أمكن في العقدين الأخيرين تحقيق الكثير في هذا الاتجاه خاصة وأن بلادنا كانت تشكو قبل 7 نوفمبر 1987 من اختلال بين الجهات في مستويات التنمية وفي مظاهرها. وإننا بقدر ما نسجل ايجابية ما يتحقق ونعتز به خاصة وأن مظاهره وثماره قد أضحت واضحة في المناطق الأقل حظنا في التنمية فإننا ندعو إلى التفكير في مبادرات تشريعية واستثمارية تمنح بعض المناطق التي أعاقتها العوامل الطبيعية وضعية استثنائية تحفز المواطنين على الإقامة بها وعلى تفعيل دورها اقتصاديا ونعني في هذا الصدد جزر قرقنة تحديدا أسوة بما يتكرس في عدة أنحاء من العالم من إفراد الجزر بحوافز تقلص من صعوبة الحياة ومن حدة المناخ وندرة الموارد الطبيعية خاصة وأن رئيس الدولة ما انفك يولي اهتماما بهذه الجزيرة وخصها باجراءات كان لها صداها لدى السكان ووقعها الايجابي على ظروف حياتهم. وأتساءل أيضا عن مدى تفكير الحكومة في وضع برامج تطور نسق التنمية في ولاية الكاف بعد أن أبرزت بعض المقاربات والدراسات ميلا نحو الاستقرار حتى لا نقول التراجع في عديد القطاعات وأساسا القطاع الفلاحي وفي نسبة النمو الديمغرافي مع ما يعنيه ذلك من هجرة داخلية.

إن ما يتحقق في بلادنا من مكاسب وما ينفتح أمامنا من آفاق هو بكل تأكيد وليد الارادة السياسية التي تحدو رئيس الدولة والتي تجد تجسيدها في اعتماد الحوار والمراهنة على دور كل الأحزاب المؤمنة بالديمقراطية وهي أحزاب لا تؤكد على وطنيتها للتفصي من مسؤولياتها بل للتأكيد على الالتقاء حول القواسم الوطنية المشتركة التي كان بيان 7 نوفمبر 1987 واضحا في تحديدها وهو ما جعل منه مرجعا لكل العائلات الفكرية والأحزاب السياسية.
ولا شك أن خدمة القواسم الوطنية المشتركة تختلف باختلاف الموقع والدور لكن هذا الاختلاف لا يمكن أن يكون مدعاة لانكار اسهام الأحزاب السياسية المعارضة في اثراء التجربة الديمقراطية وللسقوط في نقد عدمي يفتقد لأدنى درجات الموضوعية والنزاهة وما يستدعيه تحمل المسؤولية من تناسق في المواقف خاصة وأن الأحزاب السياسية التي تتطور والتي يتعين عليها أن تزداد تطورا وأن تتجاوز بعض سلبياتها قد قدّمت تصورات ومقترحات وخاضت على هذا الأساس منافسات انتخابية أتاحت من خلالها للبعض تحمّل المسؤولية والاضطلاع بأدوار على المستوى الوطني. ولا شك أن احترام المؤسسة التشريعية بوصفها تجسيدا للإرادة الشعبية يستدعي تجنب المهاترات والانصراف إلى حوار نعتز بأنه يتدعم وبأن آفاقه تتسع وبأن الانتماء الحزبي يتراجع أمامه جسامة المسؤولية، مسؤوليتنا جميعا في الارتقاء بالثقافة السياسية وبتطوير أداء الأحزاب السياسية وتعزيز دورها لأن ما سيمكث في الأرض هو ما ينفع الناس ولأن التاريخ كفيل لوحده بأن يكون الفيصل بين الجميع وبأن يبرز دوافع المواقف وخلفياتها وبأن يوضح أن الديمقراطيين الحقيقيين هم الذين انخرطوا من مواقع مختلفة في تكريس مسار التعددية مؤمنين بالحوار والمرحلية والتدرج وبأن النقد لا يمكن أن يخدم، حين يضحي انتقادا، إلا غير الديمقراطيين والمتربصين بالديمقراطية وبالتجربة التونسية خاصة وأننا على أبواب مواعيد هامة، بل أننا نواجه كل يوم موعدا وتحديا.

وقد تلقينا بارتياح نجاح الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية في عقد مؤتمره ونتوجه بالتهنئة لكل منخرطيه وإطاراته وفي مقدمتهم زميلنا العزيز المناضل الوطني السيد الهادي الجيلاني آملين لمؤتمر الاتحاد العام التونسي للشغل نفس النجاح لأن في سلامة العلاقة بين المنظمتين ضمانة هامة لحسن الاستعداد للسنوات القادمة.